الضفة المحتلة / معتز شاهين:
في وقتٍ تتصاعد فيه اعتداءات المستوطنين وتشتد قبضة الاحتلال على مدن الضفة الغربية والقدس المحتلتين، جاءت عملية إطلاق النار قرب مستوطنة "نفيه تسوف" شمال غربي رام الله لتوجّه صفعة جديدة للمنظومة الأمنية الإسرائيلية، وتؤكد من جديد استعصاء المقاومة على الانكسار أمام سياسة "الضغط الأقصى".
وبينما تسعى حكومة اليمين المتطرف إلى توظيف العملية كذريعة لتشديد الخناق الميداني وتسريع مخططات الضم والتوسع الاستيطاني التي يقودها "سموتريتش" و"بن غفير"، يرى مراقبون ومحللون أن اللجوء إلى القوة الغاشمة لن يجلب للاحتلال أمناً، بل يراكم نتائج عكسية تُعمق مأزقه الميداني، وسط مخاوف حقيقية من محاولات تطبيق "نموذج العدوان على غزة" لتجريد الضفة من مقومات حياتها ووجودها الوطني.
وأمس الأحد، قُتل مستوطن وأُصيب آخرون جراء عملية إطلاق نار شمال غربي مدينة رام الله وسط الضفة الغربية المحتلة. وقالت وسائل إعلام عبرية إن مستوطناً في الثلاثينيات من عمره قُتل متأثراً بإصابته الحرجة، إثر عملية إطلاق نار استهدفت مجموعة من المستوطنين قرب مستوطنة "حلميش" غرب رام الله.
وتمكنت قوات الاحتلال من اعتقال منفذ العملية، قدري محمد سمارة، بعد ملاحقته إثر فراره، حيث عُثر عليه مصاباً داخل مستشفى "إتش كلينيك" في مدينة رام الله، قبل أن تقتحم قوات الاحتلال المستشفى بأعداد كبيرة من الجنود وتعتقله.
وأكد مختصون بالشأن الإسرائيلي تحدثوا لـ"الاستقلال"، أمس الاحد، أن عملية إطلاق النار لا ينبغي قراءتها بمعزل عن حالة التصعيد المتواصلة في الضفة الغربية والقدس، مشددين على أن استمرار العمليات، رغم الإجراءات الأمنية الإسرائيلية المشددة، يمثل تحدياً للمنظومة الأمنية الإسرائيلية.
وباركت الفصائل الفلسطينية عملية إطلاق النار؛ إذ اعتبرت حركتا "الجهاد الإسلامي" و"حماس" العملية رداً على الاقتحامات الإسرائيلية للمسجد الأقصى والتصعيد في الضفة الغربية، فيما ربطتها "حركة المجاهدين" باستمرار الاعتداءات الإسرائيلية وفشل الإجراءات الأمنية في وقف العمليات. كما باركت "حركة فتح - الانتفاضة" العملية، معتبرة أنها تأتي رداً على سياسات حكومة الاحتلال والاعتداءات على الفلسطينيين والمقدسات. ودعت الفصائل إلى مواصلة مواجهة الإجراءات الإسرائيلية، مؤكدة أن استمرار التصعيد سيقابله مزيد من العمليات، وفق بياناتها.
تصعيد متواصل
وقال الكاتب والمحلل السياسي أ. عدنان الصباح إن عملية إطلاق النار قرب مستوطنة "نفيه تسوف" لا ينبغي قراءتها بمعزل عن حالة التصعيد المتواصلة في الضفة الغربية والقدس، مشيراً إلى أن العمليات الفلسطينية تأتي، وفق تقديره، في ظل ما يواجهه الفلسطينيون من اقتحامات واعتقالات وتضييق واعتداءات متواصلة من جيش الاحتلال والمستوطنين.
وأوضح الصباح لـ"الاستقلال" أن العملية قد تشكل بالنسبة للاحتلال مادة إضافية لتبرير توسيع الإجراءات العسكرية والأمنية في الضفة الغربية، لا سيما الاجتياحات والاعتقالات وإقامة الحواجز وتشديد القيود على حركة الفلسطينيين، إلى جانب عمليات الهدم والتخريب واستهداف القرى والمدن الفلسطينية.
وأضاف أن الأمر، لا يقتصر على التعامل الأمني المباشر مع منفذي العمليات، بل يتجاوز ذلك إلى محاولة فرض واقع جديد يجعل حياة الفلسطينيين أكثر صعوبة، ويدفعهم إلى الانشغال بحلول فردية بعيداً عن القضية الوطنية.
وأشار إلى أن إسرائيل قد تستخدم العملية باعتبارها "مادة للتحريض على الفلسطينيين"، وتوظفها لتوسيع إجراءاتها في الضفة، خصوصاً في ظل تصاعد النشاط الاستيطاني في القدس والضفة، وما وصفه بالتوتر المتزايد حول المسجد الأقصى والحرم الإبراهيمي في الخليل.
ورأى الصباح أن الظروف الإقليمية والدولية الحالية، مع انشغال الأطراف المختلفة بأزمات وملفات متعددة في المنطقة والعالم، توفر لإسرائيل مساحة أوسع لمواصلة إجراءاتها على الأرض، في ظل تراجع الاهتمام الدولي بالقضية الفلسطينية مقارنة بملفات أخرى.
وبشأن احتمال انتقال التصعيد إلى عملية عسكرية إسرائيلية واسعة في الضفة، على غرار ما جرى في قطاع غزة، قال الصباح إن المؤشرات الحالية تتمثل في استمرار الاقتحامات والاعتقالات والتدمير والتخريب والإجراءات الميدانية بصورة متواصلة، معتبراً أن الهدف، من وجهة نظره، يتجاوز "صناعة حالة أمنية" إلى ممارسة ضغط مباشر ومستمر على الفلسطينيين في مختلف أماكن وجودهم.
عجز أمني
من جهته، يؤكد المختص بالشأن الإسرائيلي د. عمر جعارة أن عملية إطلاق النار قرب مستوطنة "نفيه تسوف" تأتي في سياق تصعيد متواصل في الضفة الغربية المحتلة، معتبراً أن الإجراءات العسكرية والأمنية الإسرائيلية لم تتمكن من إنهاء حالة المواجهة أو منع تكرار العمليات الفلسطينية.
وأوضح جعارة في حديثه مع "الاستقلال" أن إسرائيل تواجه، وفق تقديره، ضغوطاً متعددة على أكثر من جبهة، مشيراً إلى غزة ولبنان وإيران، الأمر الذي يجعل فتح مواجهة واسعة جديدة في الضفة الغربية خياراً محفوفاً بالتحديات. وأضاف أن تصاعد اعتداءات المستوطنين في الضفة بات يثير انتقادات داخل إسرائيل، بما في ذلك من شخصيات عسكرية وسياسية، في ظل دعوات لوقف ما وصفه بـ"الإرهاب اليهودي" في الضفة.
وربط جعارة بين تصاعد التوتر في الضفة والحسابات السياسية الإسرائيلية، معتبراً أن رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو يحتاج إلى الحفاظ على دعم اليمين الإسرائيلي للبقاء في الحكم، وأن الانتخابات المقبلة تشكل عاملاً مؤثراً في طريقة تعاطي الحكومة مع التطورات الأمنية.
وفي ما يتعلق بإمكانية شن إسرائيل عملية عسكرية واسعة في الضفة على غرار ما جرى في قطاع غزة، رأى جعارة أن قدرة إسرائيل على تكرار النموذج نفسه في الضفة ليست مطلقة، مشيراً إلى قيود سياسية وعسكرية ودولية، ولا سيما العلاقة مع الولايات المتحدة.
وقال إن إسرائيل، رغم امتلاكها قدرات عسكرية كبيرة واستخدامها إجراءات ضغط واعتقالات واغتيالات، لم تتمكن من إنهاء عمليات المقاومة في الأراضي الفلسطينية. وأضاف أن التجارب السابقة، بما فيها موجات المواجهة والعمليات الفردية، تظهر استمرار أشكال مختلفة من المقاومة في الضفة.
وأشار جعارة إلى أن استمرار العمليات، رغم الإجراءات الأمنية الإسرائيلية المشددة، يمثل تحدياً للمنظومة الأمنية الإسرائيلية، معتبراً أن اللجوء إلى مزيد من القوة لا يعني بالضرورة القدرة على إنهاء المواجهة.
وشدد المختص بالشأن الإسرائيلي على أن إسرائيل لا تستطيع، وفق تقديره، حسم ملف المقاومة عسكرياً، سواء في الضفة الغربية أو قطاع غزة أو حتى على الجبهة اللبنانية، رغم التفوق العسكري الإسرائيلي واستمرار العمليات.
وتتفق قراءتا الصباح وجعارة على أن استمرار العمليات في الضفة يرتبط بتصاعد التوتر والإجراءات الإسرائيلية، في وقت تواجه فيه إسرائيل تحديات سياسية وأمنية تحول دون حسم المواجهة. وبينما قد تدفع العملية نحو مزيد من التشديدات الميدانية، يرى المحللان أن تصعيد القوة لا يضمن إنهاء العمليات أو احتواء حالة المواجهة.


التعليقات : 0